ابن حمدون

240

التذكرة الحمدونية

فكأنه منخلع عن ربقة العقل ، ومن ظنّ أنّ عقل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم مثل عقل آحاد السواديّة وأجلاف البوادي فهو أخسّ في نفسه من آحاد السواديّة وأجلاف البوادي . وكيف ينكر تفاوت الغريزة ولولاه لما اختلف الناس في فهم العلوم ولما انقسموا إلى بليد لا يفهم إلَّا بالتفهيم بعد تعب طويل من المعلَّم وإلى ذكيّ يفهم بأدنى رمز وإشارة ، وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور دون التعليم ، يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار ؛ وذلك مثل الأنبياء صلوات اللَّه عليهم إذ يتضح لهم في باطنهم أمور غامضة من غير تعلَّم وسماع ، ويعبّر عن ذلك بالإلهام ، وعن مثله عبّر نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وسلم حيث قال : إنّ روح القدس نفث في روعي : أحبب من أحببت فإنك مفارقه ، وعش ما شئت فإنك ميّت ، واعمل ما شئت فإنك مجزيّ به . وهذا النمط من تعريف الملائكة للأنبياء يخالف الوحي الصريح الذي هو سماع للصوت بحاسّة الأذن ومشاهدة للملك بحاسّة البصر ، ولذلك أخبر عن هذا بالنّفث في الروع . ودرجات الوحي كثيرة والخوض فيها لا يليق بعلم المعاملة ، بل هو من علم المكاشفة ، ولا تظنّنّ أنّ معرفة درجات الوحي تستدعي منصب الوحي ، إذ لا يبعد أن يعرّف الطبيب للمريض درجات الصحة ، ويعلَّم [ العالم ] الفاسق ودرجات العدالة وإن كان خاليا عنها . فالعلم شيء ووجود المعلوم شيء آخر ، فلا كلّ من عرف النبوة والولاية كان نبيّا ، ولا كلّ من عرف التقوى والورع ودقائقه كان تقيا . وانقسام الناس إلى من ينتبه من نفسه ويفهم ، وإلى من لا يفهم إلَّا بتنبيه وتعليم ، وإلى من لا ينفعه التعليم أيضا ولا ينبّهه ، كانقسام الأرض إلى ما يجتمع فيه الماء ويقوى فيتفجّر بنفسه عيونا ، وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج في القنوات ، وإلى ما لا ينفع فيه الحفر وهو اليابس ، وذلك لاختلاف جواهر الأرض في صفاتها ؛ فكذلك هذا لاختلاف النفوس في غريزة العقل . ويدلّ على تفاوت [ 1 ]